Description
Where it came from
Review
عندما سُأل المترجم الشهير صالح علماني الذي ترجم العديد من ادب أمريكا اللاتينية باللغة العربية، ماهي الرواية الأقرب لك؟ فكان جوابه روايتان هم الأقرب لي. كانت الهدنة لماريو بينيديتي أحدهما. كُتبت الرواية بحيث تجعل من القارئ يتصفح يوميات (مارتين سانتومي) موظف حكومي من أوروغواي ترمل في سن الثامنة والعشرين ويقترب من سن التقاعد. تبدأ اليوميات بتاريخ ١١ فبراير يخبرنا فيها مارتين ” لم يعد أمامي سوى ستة أشهر وثمانية وعشرين يوماً كي أصبح مؤهلاً لإحالة على التقاعد، منذ خمس سنوات على الأقل وأنا أحسب هذا التقويم…“هذه البداية تخبرنا بأن مارتين حالة مشابهه لأي موظف حكومي عربي ينتظر الخلاص من العمل الحكومي عديم الجدوى بالتقاعد. يصف لنا ديستويفسكي في رواية ذكريات من منزل الأموات ”إذا أريد تحطيم إنسان من الناس تحطيماً، و معاقبتة معاقبة قاسية رهيبة، وسحقه سحقاً يرتعش زاده أشد السفاكين عتواً، وأكثرهم ضراوة، واخافته من هذه العقوبة خوفاً رهيباً قبل انزالها فيه، يكفي أن يفرض عليه القيام بعمل ليس له أي فائدة البتة، عمل سخيف باطل مستحيل“. من خلال قراءة اليوميات نكتشف أن حياة مارتين بعيدة من أي علاقة غرام حقيقية على الرغم من وجود بعض المتع المستأجرة في بعض أيامه، لا يمكن تصنيف هذة المتع بأنها علاقة غرام بأي حال من الأحوال. يصف لنا مارتين بأحد الأيام بدقة حالته الغرامية عندما ذكر ما قالت له امرأة مستأجرة” أنت تمارس الحب بوجه موظف“. فكم من موظف حكومي في عالمنا يمارس الحب بوجه موظف الحكومة دون أن يعلم ذلك. كان مارتين منشغل بتربية أبنائه الثلاث والتفكير بحياة ما بعد التقاعد. قد يجد القارئ للرواية وجه تشابه بين الحياة في أوروغواي و الحياة في الدول العربية من حيث الأعداد الكبيرة من الموظفين الحكوميين و البيروقراطية الحكومية. قال كاتب الرواية في مجموعته القصصية (أهالي مونتيفيديو) واصفاً الأسرة في أوروغواي ”من أجل أن تعتبر نفسها أسرة حقاً، يجب أن يكون أحد أفرادها موظفاً“ وهو وصف ممكن أن يُطلق على الكثير من الأسر العربية حيث تُعتبر الوظيفة الحكومية أحد علامات الاستقرار وهو الاستقرار الذي يخلق صداقة وألفه مع التقويم لحساب عدد الأيام بل والساعات المتبقية للخلاص بالتقاعد وذلك بسبب ما يخبرنا عنه مارتين بالرواية بأن العمل الحكومي يتطلب التعامل مع زملاء عمل يمكن وصف مكرهم بالذئاب ويتطلب العمل في مهام عديمة الجدوى كما يصف مارتين حال الإدارة الحكومية بقوله ”في السابق كان من يقدمون الرشى هم من يريدون الحصول على شيء غير مشروع. ولكنة زمن انقضى. فمن يريد الحصول على شيء مشروع الآن، عليه أن يقدم رشوة. “بالنسبة لحياة مارتين الأسرية فيصف مارين علاقة أبنائه فيما بينهم “يحبون بعضهم بعضاً في أعماقهم، لكن حب الأخوة يحمل قسطاً من الحنق المتبادل….“ من جماليات اليوميات أنها لا تتحدث أبداً عن حبه لأبنائه بشكل مباشر ولكن الرواية كلها تبين ذلك الحب الأبوي الذي كثيراً من الأحيان لا يدركه الأبناء إلا بعد فوات الأوان. وفجأة تظهر في حياة مارتين لورا ابيياندا الفتاة الشابة التي كان لها نصف عمر مارتين، تعرف عليها في المكتب الحكومي ذلك المكان الكئيب الذي كان يحسب ساعات الخلاص منه. ممكن القول إن لورا أتت لتلون حياة مارتين الرمادية كما يكمن القول بأن لورا كانت الأمل لحياة اقتربت لدخول بوابة التقاعد وهنا يمكننا ملاحظة أن الموظف العربي أتعس حالاً من مارتين لأنه لا يرى لورا وشبيهاتها كون المسؤول الأكبر يستعين بخدمتهن في مكتبه لذلك يكون الغالب على الوظيفة الحكومية أنها متنفس للتخفيف من المشاكل النفسية من خلال التسلط والتفنن في أذى الناس مهما كان المسمى الوظيفي لأن الدور الحقيقي للجميع بالنهاية هو دور الكومبارس. وهذا الدور يخلق من العربي انسان ثرثار لا يكف الحديث ليل نهار عن أهميته وتفانيه في خدمة وطنه فتكون الوظيفة الحكومية المستقره أحد أسباب ازدواجية الشخصية في أروغواي وفي عالمنا العربي. الموظف الحكومي يظهر بدور المخلص المتفاني بالعلن، ولكنه بالحقيقة يتقن دور الهروب من كآبة العمل الحكومي. يبين لنا مارتين صراحةً عقلية موظف الحكومة وهوسه بالتوازن وابتعاده عن الحلول المتطرفة والكاتب هنا لا يريد أن يقنعنا بفكرة التوازن في الحياة وانما يكشف لنا عن تفكير وفلسفة مارتين (موظف الحكومة) بالحياة وحتى مارتين نفسه قرر بعد فترة صعود الجبال بعد أن سأم من العيش بين الحفر وكان ذلك عن طريق بعض التساؤلات الوجودية وعن طريق العلاقة العاطفية مع لورا التي أخذت بالتطور. بين لنا بينيديتي بعبقرية تطور العلاقة عن طريق التدرج بلغة الحوار بن لورا و مارتين من الحوار الرسمي الممل وصولاً إلى حوار العشاق وحتى الأسئلة الوجودية عند مارتين أخذت تتلاشى مع تطور العلاقة . كادت العلاقة أن تتوج بالزوج أو أن تدمر بالزواج فلا ضامن من عدم انتقال العلاقة أمام محاكم الأحول الشخصية بعد التتويج أو التدمير ولكن يتدخل بينيديتي ويقرر موت لورا وكل الذي يبقى من ذكراها لمارتين هو هوية العمل الخاصة بها. تنتهي حياة مارتين الوظيفية بالتقاعد وينتهي عشقه الجسدي بموت لورا وتبقى هوية العمل الخاصة بها. أرتكب بينيديتي جريمة بقتله لورا ولكن لو تم محاكمته عن هذه الجريمة الأدبية ربما سيكون دفاعه أنه قتلها انتصاراً للحب.
Quotes
3أشعر أحياناً بالتعاسة لمجرد أني لا أعرف ما هو الشيء الذي أحنّ إليه.
يراودني إحساس رهيب بأن الوقت يمضي دون أن أفعل شيئاً، وأنه ليس هناك أي أحداث، وليس هناك ما يهزّني من الأعماق.
أما نحن، فنقرأ ومن خلال هذه القراءة تتشكل قناعاتنا ونصوت في الانتخابات ونتناقش ونفقد الذاكرة ونتناسى بكرم وبلاهة أنها تقول اليوم عكس ما قالته بالأمس.